محمد أبو زهرة

1875

زهرة التفاسير

وفي الجملة من أخلص لله وعمل وأحسن ، فهو متبع دين النبيين جميعا ، وإن اتباع دين محمد هو اتباع الأديان السماوية كلها لأنه إيمان بكل الرسل . وقد كرم الله سبحانه وتعالى إبراهيم لإخلاصه وتوجهه إلى الله تعالى بقلب سليم ، وإحسانه في العمل ، بأن جعله خليله ، فقال تعالى : وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا أي اصطفاه من بين خلقه ، فأعطاه ذلك الاسم الجليل ، وذلك الوصف الكريم . ومعنى الخليل الحبيب الذي يلجأ إلى حبيبه ، فهو من الخلة وهي المحبة ، أو من الخلة بمعنى الحاجة « 1 » . والحقيقة أن إبراهيم عليه السلام كان فيه الأمران معا فهو من جانبه كان يحب لله ، ويبغض لله ولا يطلب شيئا إلا لله . وكان مع ذلك لا يعتمد في حاجة إلا على الله سبحانه وتعالى وهو يقول في بيان حاجته إلى ربه : الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ( 78 ) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ( 79 ) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ( 80 ) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ( 81 ) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ( 82 ) رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ( 83 ) وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ( 84 ) [ الشعراء ] . هذا ما كان من جانب إبراهيم . أما ما كان من جانب الله ، فإنه قد أفاض عليه بنعمه ظاهرها وباطنها ، وجعل من ذريته النبيين ، وحماه من أعدائه ، وقربه إليه ، وصار من عباده المخلصين ، ثم منحه وضعا لم يمنحه غيره ، وهو أنه خليله . وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً وبعد أن أشار سبحانه إلى أن الله تعالى منفذ عقابه وثوابه ، وإلى أن الدين الحق هو إخلاص الذات . والقلب والنفس لله تعالى ، بين سبحانه وتعالى أن ما في السماوات والأرض كله له . فمن أخلص لله تعالى ، فقد أخلص للقوى القادر القاهر الذي لا يخرج عن سلطانه شئ في الملكوت . وإن هذا لدليل على أنه وحده المستحق للعبادة ، وإسلام الوجه والطاعة له سبحانه وتعالى .

--> ( 1 ) الأولى خلة ( بالضم ) ، والثانية وهي الحاجة والفقر - بالفتح .